مجمع البحوث الاسلامية
456
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
يقال : بزغت الشّمس ، فهي بازغة ، وبزغ القمر والنّجم ، ونجوم بوازغ ، أي طوالع . ويحتمل أن يراد به أوّل طلوعها ، وهو حين شقّها الظّلمة ، ولذا يقال : ابتزغ الرّبيع ، أي جاء أوّله . 2 - قال ابن دريد : « بقل وبزغ وصبأ بمعنى واحد » ؛ إذ بينها اشتقاق أكبر ، يقال : بقل النّبت وناب البعير ، أي طلع ، وصبأت سنّ الغلام والنّجوم ، أي طلعت . 3 - ويبدو أنّ هذا الجذر يتضمّن معنى الشّقّ ، فهو بيّن في جميع استعمالاته . فبزغ البيطار قوائم الدّابّة - كما تقدّم - أي شقّها ، وبزغ ناب البعير ، أي شقّ اللّثة وخرج ، وبزغت الشّمس وسائر النّيّرات ، أي كأنّها شقّت الظّلمة بنورها ، ومنه : بزغ الحاجم ، أي شقّ الجلد ليخرج الدّم . 4 - ما قلناه في البزوغ بمعنى « الشّقّ » يجري في « الفلق » و « الفجر » ، فإنّهما في الأصل بمعنى الشّقّ ، فقد جاءت لفظة ( فالق ) مرّتين في سورة الأنعام إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى الأنعام : 95 ، فالِقُ الْإِصْباحِ الأنعام : 96 ، وكلاهما بمعنى الشّقّ . وقريب من بزغ « بزق » و « بضع » لفظا ومعنى ، يقال : بضع اللّحم والجلد ، إذا قطعه أو شقّه . 5 - ويبدو بين : بزغ وبزق وبضع وغيرها - ممّا ذكر - اشتقاق أكبر ، إلّا أنّ الأزهريّ احتمل أن يكون « بزق » لغة في « بزغ » ، فأبدل الغين قافا لقرب مخرجيهما . الاستعمال القرآنيّ جاء من البزوغ لفظان في القرآن : 1 - فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ الأنعام : 77 2 - فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ الأنعام : 78 يلاحظ أوّلا : أنّهما جاءا بصيغة اسم الفاعل حالا ، وليس بصيغة الفعل ، لأنّ اسم الفاعل يدلّ على الثّبات والدّوام ، يعني أنّ هذه الحالة - أي البزوغ - وصف دائم للشّمس والقمر ، منذ أن خلقهما اللّه إلى يوم القيامة . أمّا سرّ مجيئهما حالا هو أنّهما مسبوقان ب ( رءا ) أي أنّ إبراهيم رآهما بازغتين . ثانيا : البزوغ هنا هو الشّقّ - كما سبق - ويلازمه الطّلوع ، وهو المتبادر منه في الآيتين ، كما دلّ عليه الحال . أمّا كونه ، بمعنى انتشار النّور - كما قيل - فلا يصحّ الاحتجاج به لإبراهيم على قومه ، فلا يفهم منه . وليس الاحتجاج موقوفا عليه ، بل يتمّ بمجرّد الطّلوع ، لأنّه حادث عظيم . لكن ذلك ملازم للسّياق والمقام ، لا أنّ « البزوغ » بمعنى انتشار نور الشّمس والقمر . ثالثا : اختار القرآن في الآيتين لفظي ( بازغ ) و ( بازغة ) بدل « طالع » و « طالعة » ، مع أنّه أطلق الطّلوع على طلوع الشّمس والقمر في عدّة آيات : 1 - وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ الكهف : 17 2 - حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ